الدر المنضود في الإصلاح و التغيير المنشود
أخي المسلم في ظل هذه الظروف التي يمر بها العالم الإسلامي ووسط هذه الثورات علت كثير من الرايات كلها تدعي الإصلاح و تريد أن تقود سفينة الأمة وفق آرائهم و معتقداتهم ،فمن هؤلاء العلماني الذي يريد أن يفرض على المسلمين ما اعتقده من زبالة آراء الملحدين و هدفه من ذلك تنحية الدين و محارب القران الكريم و الصد عن سبيل الله تعالى، فهؤلاء هم الدعاة الذين وصفهم النبي – صلى الله عليه وسلم- فعن أبي إدريس الخولاني “ أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يد ركني، .... دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا ([1]) الحديث " همهم وغايتهم خلخلة القيم الراسخة في المجتمع الإسلامي من الإخوة والطهر والعفاف وحفظ العهود والتكافل وأحاسيس الجسد الواحد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستبدال ذلك بالقطيعة والتفريق والإباحية ونشر الرذيلة في المجتمع الإسلامي، وتسخير ما في أيديهم من إذاعة وتلفزيون ومجلات وجرائد وغيرها من الوسائل لتحقيق غاياتهم في أبناء المجتمع المسلم 0 و منهم اللبرالي الليبرالية (: Liberalism) اشتقت كلمة ليبرالية من ليبر liber وهي كلمة لاتينية تعني الحرية. فالليبرالية تعني التحرر.
وفي أحيان كثيرة تعني التحرر المطلق من كل القيود مما يجعلها مجالا للفوضى. فهم يريدون الحرية من كل القيود ومن المعتقدات والعادات وهي أن يُصبح الإنسان بهيمة في مسلاخ بشر، فالزنا حرية والكفر حرية والشذوذ الجنسي حرية والاختلاط حرية وشرب الخمور حرية ...
ومنهم من يدعوا إلى الشيوعية التي بادت مع انهيار دولتها، ولكن ما زال لها في عالمنا الإسلام فلول ضالة تدعوا إليها وتعزف على وترها الأخير ...
ومنهم من يدعوا إلى التشيع وبث أفكاره وآراءه عبر الفضائيات والمجالس الصوفية ...
و كل هؤلاء ما يحملون في حقائبهم إلا الزيغ و الضلال و لا أجد لهم مثالا إلا كحاطب ليل يجمع ما يضره و يحكم بما لم يرى، فهؤلاء ظهروا لنا في صورة المصلحين الناصحين حالهم حال فرعون اللئيم عندما قال في موسى الكليم { {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ } [غافر: 26]
لذا كان لزاما وأجل مسمى على أبناء الأُمة من الدعاة المخلصين والعلماء الربانين وطلبة العلم الناشطين أن يبينوا للناس عورهم وأن يأخذوا بأيدي أبناء الأمة إلى الصراط المستقيم وإلى النهج القويم، وأُمة الإسلام أُمة ولادة في كل العصور وعلى مر الدهور، فقد تصدى لهؤلاء كوكبة من العلماء الناصحين المخلصين فجابوا البلاد وبصروا العباد وها أنا ذا أسير خلفهم وانتهج منهجهم المنبثق من الكتاب والسنة حالي كما قال الشاعر:
أسير خلف ركاب النجب ذا عرج مؤملا كشف ما لاقيت من عوج
فإن لحقت بهم من بعد ما سبقوا فكم لرب الورى في ذاك من فرج
وإن بقيت بظهر الأرض منقطعا فما على عرج في ذاك من حرج
وأضع بين يدي أبناء الأُمة هذا الكتاب الذي سميته {الدر المنضود في الإصلاح والتغيير المنشود}
والله تعالى أسال أن أكون قد وضعت إشارة على طريق الإصلاح وجاءت الدراسة في ثمانية أبواب وهي:
الباب الأول تعريف الإصلاح والمصلحين: وفي هذا الباب نقف مع مفهوم الإصلاح في اللغة والاصطلاح ثم نبين الحكم الشرعي للإصلاح، وبعد ذلك نتعرف على نهي العباد عن الفساد والإفساد وكما أن للمصلحين طرق ومناهج للإصلاح، فإن للمفسدين سبل وطرائق للإفساد وعلى الناس أن يتبعوا سبيل المصلحين ويجتنبوا سبل المفسدين. قال -تعالى -: ((ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون)) [الشعراء/ 152].
الباب الثاني: مصدر الإصلاح وفي هذا الباب أضع بين يدي القارئ مصدر الإصلاح لكل فساد عمَّ العباد والبلاد فنتعرف على أنه لا سبيل للإصلاح إلا كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم –
هذا هو القرآن دستور الهدى فيه الصلاح لطارف وسديد
قرآننا سر النجاة لنا بما يحويه من وعد لنا ووعيد
أفتؤمنون ببعضه وببعضه تتهاونون أذاك فعل رشيد
ثم نتعرف على خصائص الشريعة الإسلامية وأنها ربانية شمولية صالحة لكل زمان ومكان وخصائص الشريعة الإسلامية تحقق السعادة للبشرية مؤمنها وكافرها فتحت ظلالها الحرية التي لا تتعارض مع كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – والتي اعترف بها الأعداء والفضل ما شهدت به الأعداء.
الباب الثالث: أدعياء الإصلاح والتغيير: أخي المسلم: إن هناك كثير من الرايات قد رفعت وكلهم يدعي الإصلاح، ولكن كثير من هؤلاء أدعياء فهم لا يحملون إلا كل شر وفساد، وإن لبسوا لنا جلود الضأن فإن سمياهم في وجوههم ويُظهره الله على فلتات ألسنتهم كما قال الله تعالى {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30] وكما قال الشاعر:
وإذا الذئاب استنعجت لك مرَّةً فحذار منها أن تعود ذئابا
فالذئب أخبث ما يكون إذا بدا متلِّبساً بين النعاج إهابا
وفي هذا الباب أضع بين يدي القارئ صورا من أدعياء الإصلاح في القديم والحديث حتى لا يغتر قوم بمعسول الكلام ونعومة الملمس فهم كالحية ناعمة ملمسها قاتل سمها
الباب الرابع :الإصلاح العقدي للفرد و المجتمع و إذا بدأنا طريق الإصلاح فلابد أن يكون على نهج الأنبياء و الأصفياء فطريقهم قد رسمه لهم ربهم - سبحانه و تعالى - و أول أسس الإصلاح صلاح العقيدة ، و المتأمل لواقع العالم وواقع الأُمة يجد انحرافا كبيرا عن الاعتقاد الصحيح، فنهاك شرخ كبير و جرح عميق و داء عضال عند كثير من الناس في أصل عقيدته و ذلك كما قال ربنا – سبحانه و تعالى {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ } [يوسف: 106] فنهاك ولاء لغير الله ،ولاء للأعداء ،و هناك براء واضح من المؤمنين، و انقلبت الموازين فأصبح العدو صديقا و الصديق عدوا ... و هناك توسل بغير الله و نذر و طواف و حلف بغير الله ... كلها انحرافات عقيدية واجب على الأمة إصلاحها حتى تكون على بينة من أمر دينها ،وهذا هو سبيل الأنبياء و المرسلين "كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة "
الباب الخامس: الإصلاح الأخلاقي: إن الأخلاق هي أساس سعادة الأمم وسر تقدمها وعنوان طهارتها، ولم لا والنبي –صلى الله عليه وسلم – علل مجيئه بتمام مكارم الأخلاق عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ "([2])
ولقد أصيبت الأخلاق كما أصيبت العقائد من لوث فكري وانحلال أخلاقي فظهر التبرج والسفور بدعوى الحرية وظهر الشذوذ بدعوى الحرية وظهر العقوق والطلاق والاغتصاب، بعدما أصبحت الفضيلة عندهم رذيلة، فعم الفساد وأصبح للنخاسة سوق تعرض فيه النساء عاريات أو شبه عاريات وأُلجم المصلحون بلجام العنف والقهر ... فكان لسان حالهم {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56]
فجاء هذا الباب ليبين للأُمة محض الصواب و يصف لها الداء و يبين لها أسبابه ثم يصف لها الدواء و لسان الحال {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } [هود: 88]
الباب السادس: الإصلاح الاجتماعي: أما الحالة الاجتماعية فيرثى لها كل من آمن برب البرية، أُسر ممزقة وقضايا معلقة وأطفال أصبحوا يتامى بعد الشقاق والخلاف، أبناء لا يعرفون إلا العقوق ولا هم لهم إلا المروق، إدمان للمخدرات ومسارعة في نيل الشهوات وترك للجمع والجماعات ودمار للأُسر وعار يلحق بالبنين والبنات، ... فقر وفاقة وأُناس لا يجدون الطعام وآخرون غرق في الهيام والغرام، عراة لا يجدون الكساء وآخرون لا يشكرون النعماء.... عصبيات قبلية وأُخرى وطنية وثلاثة لغوية ... تفرق فاق الخيال وأذهل أولوا النهى من الرجال ....
فجاء هذا الباب لينادي أولي النهى و الألباب عليكم بالسنة و الكتاب ففيهما مخرج من كل أزمة مالية أو فاجعة اجتماعية فيجد القارئ الكريم القوانيين الربانية و الإشارات المحمدية تنادي على الجميع {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [النحل: 89، 90]
الباب السابع : إصلاح التعليم : فإذا انتقلنا إلى ميدان آخر لنرى ماذا حل به لرأينا بنيانا قد تهدمت قوائمه و تبعثرت لبناته فأصبح مأوى للخفافيش و هوام الليل ، إنها المنظومة التعليمة التي ضربها المفسدون في مقتل فسلبوا أجمل ما فيها واستوردوا لنا أقبح ما عند الغرب ، فقد عمل المفسدون في الفترة الأخيرة على تعريت التعليم من كل ما هو إسلامي فحذفوا من المناهج الآيات القرآنية التي تبني الشخصية المسلمة القوية ، ووضعوا فيها ما يخالف العقيدة و ما ينشر روح الميوعة و الانحلال و أمسى الطالب يتخرج من الجامعة و هو لا يعرف عن دينه و لا عن نبيه – صلى الله عليه وسلم- شيئا بل لا يحسن أمر دنياه فضلا عن أمر دينه و أُخراه لذا وضعت بين يدي القارئ عدة فصول :
الفصل الأول مكانة التعليم في الإسلام: وعرفت المسلم مكانة التعليم في الإسلام وكيف أن الإسلام هو دين العلم وبالعلم ترقى الأمم.
الفصل الثاني: صور من فساد وإفساد المنظومة التعليمية: ووضعت بين يدي القارئ ما حل بالتعليم من زيف وتحريف وإخلال بالمناهج وكيف أنهم فرغوا التعليم من كل ما هو إسلامي
الفصل الثالث برنامج إصلاح المنظومة التعليمية: وفي هذا الفصل وضعت بين يدي القارئ المنهج المقترح لإصلاح التعليم والرقي بالمعلم وبينت أن الرقي بالتعليم ليس مهمة المدرسة فحسب بل هو مسؤولية الفرد والأسرة والمدرسة والدولة فهم جميعا شركاء في النهوض بالمنظومة التعليمة
الباب الثامن الإصلاح الإداري: و في هذا الباب نتحدث عن قضية من القضايا الخطيرة ألا و هي قضية الفساد الإداري التي ضرب جميع مؤسسات المجتمع المسلم في العقود الثالثة الماضية، من رشوة و محسوبية و واسطة و استغلال المنصب لكسب غير مشروع ... فوضعت بين يدي القارئ أرقاما مذهلة إن دلت فإنما تدل على تفشى الفساد و علو صوت المفسدين و نتعرف في هذا الباب على العوامل و الأسباب التي فرخت المفسدين ... ثم نتعرف على وسائل الإصلاح و كيف يكون هناك صلاح في جميع الهيئات و ذلك من خلال كتاب رب الأرض و السموات
فالله تعالى أسأل أن تكون هذه لبنة في إصلاح الفرد والمجتمع وأن ينفع بها المسلمين والمسلمات وأن تكون سببا في رجوع الأمة إلى مصدر سعادتها وسر قوتها وحياة أرواحها، وأن يرزقنا حسن الختام.
أبو همام/ السيد مراد سلامة
[1] - أخرجه البخاري 4/242(3606). و"مسلم" 6/20(4812) و"ابن ماجة" 3979 م
[2] - أخرجه أحمد (2/381، رقم 8939)، وابن سعد (1/192). وقال الشيخ الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 2349 في صحيح ا